الشوكاني

131

نيل الأوطار

وابن عبد البر عن الزهري أن عمر قال : لولا أني ذكرت صدقتي لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لرددتها وهو يشعر بأن الوقف لا يمتنع الرجوع عنه ، وأن الذي منع عمر من الرجوع كونه ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فكره أن يفارقه على أمر ثم يخالفه إلى غيره ، ويجاب عنه بأنه لا حجة في أقوال الصحابة وأفعالهم إلا إذا وقع الاجماع منهم ولم يقع ههنا ، وأيضا هذا الأثر منقطع لأن الزهري لم يدرك عمر ، فالحق أن الوقف من القربات التي لا يجوز نقضها بعد فعلها لا للواقف ولا لغيره . وقد حكي في البحر عن محمد وابن أبي ليلى أن الوقف لا ينفذ إلا بعد القبض ، وإلا فللواقف الرجوع لأنه صدقة ومن شرطها القبض ، ويجاب بأنه بعد التحبيس قد تعذر الرجوع وإلحاقه بالصدقة إلحاق مع الفارق . قوله : من يشتري بئر رومة بضم الراء وسكون الواو . وفي رواية للبغوي في الصحابة من طريق بشر بن بشير الأسلمي عن أبيه أنها كانت للرجل من بني غفار عين يقال لها رومة ، وكان يبيع منها القربة بمد ، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم : تبيعنيها بعين في الجنة ؟ فقال : يا رسول الله ليس لي ولا لعيالي غيرها ، فبلغ ذلك عثمان فاشتراها بخمسة وثلاثين ألف درهم ، ثم أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : أتجعل لي ما جعلت له ؟ قال : نعم ، قال : قد جعلتها للمسلمين . وللنسائي من طريق الأحنف عن عثمان قال : اجعلها سقاية للمسلمين وأجرها لك وزاد أيضا في رواية من هذه الطريق : أن عثمان قال ذلك وهو محصور ، وصدقه جماعة منهم علي بن أبي طالب عليه السلام وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص . قوله : فيجعل فيها دلوه مع دلاء المسلمين فيه دليل على أنه يجوز للواقف أن يجعل لنفسه نصيبا من الوقف ، ويؤيده جعل عمر لمن ولي وقفه أن يأكل منه بالمعروف ، وظاهره عدم الفرق بين أن يكون هو الناظر أو غيره . قال في الفتح : ويستنبط منه صحة الوقف عن النفس وهو قول ابن أبي ليلى وأبي يوسف وأحمد في الأرجح عنه ، وقال به ابن شعبان من المالكية وجمهورهم على المنع إلا إذا استثنى لنفسه شيئا يسيرا بحيث لا يتهم أنه قصد حرمان ورثته . ومن الشافعية ابن سريج وطائفة ، وصنف فيه محمد بن عبد الله الأنصاري شيخ البخاري جزءا ضخما ، واستدل له بقصة عمر هذه وبقصة راكب البدنة ، وبحديث أنس في أنه صلى الله عليه وآله وسلم أعتق صفية وجعل عتقها صداقها . ووجه الاستدلال به أنه أخرجها من ملكه